الإثنين، 04 ربيع الأول 1448 ، 17 أغسطس 2026

د. شيماء محسن لـ«اجري نيوز»: كيف تحوّل مصر موقعها الجغرافي إلى قوة اقتصادية؟

e69a6d2e-fea4-4b67-a613-ada9a7056a72
الدكتورة شيماء محسن عبد الحي، خبير إدارة الموارد البشرية والتنمية المستدامة
أ أ
techno seeds
techno seeds
أكدت الدكتورة شيماء محسن عبد الحي، خبير إدارة الموارد البشرية والتنمية المستدامة، أن قطاع اللوجستيات لم يعد يقتصر على نقل البضائع من مكان إلى آخر، بل أصبح أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد العالمي وأداة مهمة لتعزيز تنافسية الدول وجذب الاستثمارات.
وأوضحت  في تصريحات خاصة لـ " اجري نيوز" أن امتلاك منظومة لوجستية متطورة يعني قدرة أكبر على التحكم في حركة التجارة، وخفض تكاليف الإنتاج والنقل، وتسريع تدفق السلع، وخلق فرص عمل، مشيرة إلى أن مصر تشهد تحولًا مهمًا في تطوير البنية التحتية والموانئ وشبكات النقل والمناطق الصناعية، بما يدعم إعادة صياغة موقعها على خريطة التجارة الإقليمية والدولية.

من البنية الأساسية إلى صناعة القيمة

وأشارت شيماء محسن إلى أن إنشاء الموانئ والطرق والمناطق اللوجستية يمثل خطوة أساسية، لكن القيمة الاقتصادية الحقيقية تتحقق من خلال تكامل هذه المكونات في منظومة واحدة تربط الموانئ بالمناطق الصناعية وشبكات الطرق والسكك الحديدية ومراكز التخزين والتوزيع والمناطق الحرة والأسواق.
وأكدت أن هذا التكامل يمكن أن ينقل مصر من مجرد دولة تمر عبرها حركة التجارة إلى دولة تضيف قيمة حقيقية إلى تلك التجارة، لافتة إلى أن الموقع الجغرافي لا يصبح قوة اقتصادية إلا من خلال الإدارة الذكية والاستثمار في الخدمات والبنية التكنولوجية والبشرية.



الموقع الجغرافي ميزة تحتاج إلى إدارة ذكية

وقالت إن مصر تمتلك مقومات جغرافية متميزة، في مقدمتها الإطلالة على البحرين المتوسط والأحمر، ووجود قناة السويس كأحد أهم الممرات المائية العالمية، لكن تحويل هذه الميزة إلى مركز لوجستي إقليمي يتطلب توفير منظومة متكاملة تتميز بسرعة الإجراءات، وسهولة نقل البضائع، وجودة التخزين، وتوافر الخدمات، والاستقرار، والرقمنة، والقدرة على خفض التكلفة.
وأضافت أن تطوير الخدمات اللوجستية يجب أن يتزامن مع تحديث التشريعات والأنظمة الرقمية وتأهيل الكوادر البشرية، بما يرفع كفاءة المنظومة ويعزز قدرتها على المنافسة.

اللوجستيات الخضراء تدعم التنافسية

وأوضحت  دكتورة شيماء محسن عبد الحي في تصريحات خاصة لـ " اجري نيوز" أن الاستدامة أصبحت عنصرًا أساسيًا في مستقبل قطاع اللوجستيات، مع الاتجاه العالمي نحو خفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام الطاقة والموارد.
وتشمل اللوجستيات المستدامة التوسع في وسائل النقل الأقل استهلاكًا للطاقة، وتحسين كفاءة الشاحنات، وتقليل الرحلات غير الضرورية، واستخدام التكنولوجيا في إدارة حركة البضائع، إلى جانب تطوير المستودعات الذكية وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة.
وأكدت أن التحول الأخضر لا يمثل عبئًا على الاقتصاد، بل يمكن أن يتحول إلى ميزة تنافسية من خلال خفض استهلاك الوقود والتكلفة، وتقليل الفاقد، وتحسين إدارة عمليات النقل، وتعزيز قدرة المنتجات المصرية على دخول الأسواق التي تطبق معايير بيئية أكثر صرامة.
الرقمنة.. عقل المنظومة اللوجستية
وشددت على أن بناء قطاع لوجستي قادر على المنافسة عالميًا يتطلب التحول الرقمي، خاصة مع الدور المتزايد للبيانات والذكاء الاصطناعي في إدارة سلاسل الإمداد.
وأوضحت أن تحليل البيانات يمكن أن يساعد في التنبؤ بالطلب، وتحسين مسارات النقل، وتقليل فترات الانتظار، وإدارة المخزون، ورفع معدلات التشغيل، فضلًا عن تقليل الإجراءات الورقية وتعزيز الشفافية وتسريع حركة البضائع.
وأكدت أن الموانئ والمناطق اللوجستية والمستودعات الذكية لم تعد مجرد أدوات تكنولوجية إضافية، وإنما أصبحت من متطلبات المنافسة في الاقتصاد العالمي.

دعم الصناعة وتعزيز الصادرات

وأشارت إلى وجود ارتباط مباشر بين كفاءة القطاع اللوجستي وقوة الصناعة، فالصناعة تحتاج إلى وصول المواد الخام في الوقت المناسب، كما تحتاج إلى نقل المنتجات إلى الأسواق المحلية والخارجية بسرعة وكفاءة.
وأضافت أن خفض تكاليف النقل والتخزين وزيادة سرعة تداول المنتجات يرفع القدرة التنافسية للمنتج المصري، كما أن إنشاء مناطق لوجستية بالقرب من التجمعات الصناعية يمكن أن يدعم التصنيع المحلي ويرفع القيمة المضافة.
كما تساهم المنظومة اللوجستية المتطورة في دعم الصناعات التصديرية، من خلال تسهيل وصول المنتجات المصرية إلى الأسواق العالمية بتكلفة أكثر تنافسية وفي التوقيت المناسب.

سلاسل الإمداد جزء من الأمن الاقتصادي

وأكدت شيماء محسن أن الأزمات العالمية الأخيرة أثبتت أهمية سلاسل الإمداد باعتبارها أحد عناصر الأمن الاقتصادي، حيث يمكن لأي اضطراب في حركة النقل أو الطاقة أو المواد الخام أن ينعكس سريعًا على الإنتاج والأسعار والأسواق.
وترى أن امتلاك مصر منظومة لوجستية قوية ومرنة، تضم موانئ متعددة وشبكات نقل متطورة ومخازن استراتيجية وأنظمة رقمية ومصادر متنوعة للتوريد، يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات وتقليل آثار الأزمات العالمية.

العنصر البشري أساس نجاح المنظومة

ورغم أهمية البنية الأساسية والتكنولوجيا، أكدت أن العنصر البشري يظل أحد أهم عوامل نجاح قطاع اللوجستيات، مشيرة إلى ضرورة توفير كوادر تمتلك مهارات إدارة سلاسل الإمداد وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وإدارة المخاطر والتخطيط والتفاوض واللغات.

وشددت على أهمية ربط مشروعات التطوير اللوجستي ببرامج متخصصة للتدريب وبناء القدرات، مؤكدة أن الاستثمار في الموانئ والمعدات والبنية الأساسية لن يحقق عائده المستدام دون الاستثمار بالتوازي في العنصر البشري.



مصر أمام فرصة استراتيجية

وترى شيماء محسن أن مصر تمتلك العديد من المقومات التي تؤهلها للتحول إلى منصة إقليمية للتجارة والتصنيع والتخزين وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة، من بينها موقعها الجغرافي، والموانئ المطلة على البحرين المتوسط والأحمر، وقناة السويس، وشبكة الطرق، والمناطق الصناعية، والسوق المحلية الكبيرة.
وأكدت أن التحدي يتمثل في ربط هذه المقومات ضمن رؤية متكاملة، مع استمرار تطوير البنية التحتية، وتسهيل الإجراءات، ورفع كفاءة الخدمات، وتوسيع نطاق الرقمنة، وتشجيع الاستثمار الخاص، وربط الموانئ بالمناطق الصناعية، والتوسع في النقل متعدد الوسائط.

الاستدامة تتجاوز حماية البيئة

وأوضحت أن مفهوم التنمية المستدامة لا يقتصر على حماية البيئة، وإنما يشمل تحقيق نمو اقتصادي مستمر، وخلق فرص عمل، ورفع كفاءة استخدام الموارد والمؤسسات، وضمان بناء اقتصاد أكثر قوة للأجيال المقبلة.
ومن هذا المنطلق، فإن دمج اللوجستيات بمبادئ التنمية المستدامة يمكن أن يمثل أحد مسارات النمو الاقتصادي في مصر، من خلال خفض التكاليف وتحسين كفاءة الموارد ودعم الصناعة وزيادة الصادرات وجذب الاستثمارات وخلق فرص العمل، بالتوازي مع تقليل التأثيرات البيئية.

اللوجستيات.. محرك للاقتصاد المصري

واختتمت الدكتورة شيماء محسن عبد الحي بالتأكيد على أن مصر أمام فرصة مهمة لإعادة تعريف دورها في منظومة التجارة العالمية، موضحة أن المنافسة المستقبلية لن تكون بين الموانئ فقط، وإنما بين منظومات لوجستية متكاملة تجمع بين السرعة والكفاءة والمرونة والاستدامة والتكنولوجيا.
وأكدت أن الرهان الحقيقي يتمثل في تحويل المشروعات والبنية الأساسية إلى قيمة اقتصادية مستدامة، بحيث تنتقل اللوجستيات من كونها قطاعًا خدميًا إلى محرك رئيسي للصناعة والتجارة والاستثمار والتنمية.
وقالت إن بناء منظومة لوجستية مستدامة لا يعني فقط نقل البضائع بصورة أسرع، وإنما يعني بناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة، وأكثر مرونة في مواجهة الأزمات، وأكثر جذبًا للاستثمار، وأكثر توافقًا مع متطلبات البيئة، بما يجعل اللوجستيات أداة لتحريك الاقتصاد المصري نحو المستقبل.
اشترك في قناة اجري نيوز على واتساب اشترك في قناة اجري نيوز على جوجل نيوز
icon

الأكثر قراءة