في تأكيد جديد على مكانة مصر الصاعدة في اقتصاد الخدمات الرقمية، أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلًا متخصصًا حول صناعة التعهيد، أوضح فيه أن مصر نجحت في ترسيخ موقعها كمركز إقليمي لخدمات التعهيد، مدعومة برؤية استراتيجية متكاملة تقوم على تطوير البنية التحتية الرقمية، وبناء رأس مال بشري مؤهل، وتهيئة بيئة أعمال جاذبة للاستثمار والابتكار.
صناعة التعهيد.. محرك رئيسي للاقتصاد الرقمي
أشار التحليل إلى أن صناعة التعهيد أصبحت واحدة من أكثر القطاعات جذبًا للاستثمارات وتوليدًا لفرص العمل، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد الرقمي العالمي، حيث لم تعد الشركات العالمية تبحث فقط عن خفض التكاليف، بل تسعى إلى الوصول إلى كفاءات بشرية وقدرات تكنولوجية تمكنها من تقديم خدمات عالية القيمة عبر الحدود.
وأوضح المركز أن التعهيد يعتمد على إسناد بعض المهام إلى جهات خارجية متخصصة، بهدف خفض التكاليف التشغيلية، وتحسين جودة الخدمات، والاستفادة من الخبرات المتخصصة، مما يتيح للشركات التركيز على أنشطتها الأساسية وتعزيز قدرتها التنافسية.
أرقام وإنجازات في السوق المصرية
كشف التحليل عن نمو ملحوظ في صناعة التعهيد بمصر خلال السنوات الأخيرة، حيث توسعت القاعدة التشغيلية للقطاع لتشمل أكثر من 240 شركة تمتلك نحو 270 مركزًا لتقديم خدمات التعهيد، ووفرت نحو 181 ألف فرصة عمل، إلى جانب توقيع مذكرات تفاهم مع 55 شركة عالمية ومحلية، مما يعكس تزايد ثقة المستثمرين في السوق المصرية.
مصر في مؤشرات الثقة الدولية
وفي سياق المؤشرات الدولية، أشار التحليل إلى نتائج مصر في مؤشر الثقة في تجربة العملاء في التعهيد الخارجي (Offshore CX Confidence Index 2025)، حيث سجلت مصر نسبة ثقة بلغت 80.9%، محققة أعلى الدرجات في مجالي الأمن والسلامة (90.2%) والبنية التحتية (86.9%)، كما سجلت نتائج مرتفعة في سوق العمل (84.1%) والعقارات التجارية (84.2%) وبيئة الصناعة (81.5%).
وأرجعت الدراسة هذه النتائج إلى توافر قوة عاملة شابة ومتعددة اللغات بتكلفة تنافسية، إلى جانب البنية التحتية الجيدة، ومستويات الأمن والاستقرار التشغيلي، فضلًا عن التقارب الثقافي مع الأسواق الأوروبية والأمريكية.
الهند نموذجًا عالميًا.. ودروس مستفادة
وتطرق التحليل إلى التجربة الهندية الرائدة في قطاع التعهيد، التي احتلت المركز الأول في المؤشر بنسبة 93.9%، مشيرًا إلى أن الهند استطاعت ترسيخ سمعتها الدولية من خلال التكامل بين المهارات البشرية والتقنيات الحديثة، خاصة الذكاء الاصطناعي والأتمتة.
وأكد التقرير أن مصر يمكنها الاستفادة من هذه التجربة عبر تسريع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في خدمات التعهيد، وتطوير برامج التدريب الرقمي المتخصصة، مع تعزيز جهودها التسويقية الدولية لإبراز قدراتها متعددة اللغات، والاستفادة من موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط بين الأسواق الأوروبية والآسيوية والإفريقية.
إطار مؤسسي متكامل ومستهدفات طموحة
أوضح التحليل أن نجاح مصر في جذب استثمارات التعهيد يرتكز على إطار مؤسسي متكامل، تقوده وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وتضطلع هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (إيتيدا) بدور محوري في الترويج لمصر كمقصد عالمي للخدمات، وتقديم الحوافز للشركات، وتنمية الصادرات الرقمية.
وتستهدف الدولة زيادة صادرات خدمات التعهيد من نحو 5.2 مليارات دولار إلى 6 مليارات دولار عام 2026، مع التوسع في الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة، بما يعكس رؤية الحكومة نحو تعزيز تنافسية الاقتصاد الرقمي المصري، وتوفير فرص عمل نوعية.
الخلاصة.. فرصة للتحول من وجهة إلى مركز عالمي
وخلص التحليل إلى أن نجاح مصر لم يكن وليد المزايا التقليدية فقط، بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية متكاملة، تتسق مع مستهدفات رؤية مصر 2030 التي تضع التحول الرقمي وتنمية رأس المال البشري في صدارة الأولويات.
وشدد التقرير على ضرورة مواصلة الاستثمار في المهارات الرقمية المتقدمة، خاصة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني وتحليل البيانات، مؤكدًا أن مصر تمتلك فرصة حقيقية للتحول من مجرد وجهة جاذبة لخدمات التعهيد إلى مركز إقليمي وعالمي لإنتاج وتصدير الخدمات الرقمية المتقدمة، بما يدعم أهداف التنمية الاقتصادية ويعزز مكانة الاقتصاد المصري في الاقتصاد الرقمي العالمي.





