أ
أ
يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة متزايدة
من عدم اليقين، مع استمرار تأثير التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة على
معدلات التضخم والنمو.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور إبراهيم
جلال فضلون، الخبير الاقتصادي، أن قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة
أصبحت مرتبطة بدرجة أكبر بتطورات الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد وأسعار الوقود.
أسعار
الفائدة بين التضخم وضغوط النمو
وأوضح فضلون في تصريحات خاصة لـ
" اجري نيوز" أن البنوك المركزية لا تزال تعتمد على أسعار
الفائدة باعتبارها الأداة الرئيسية للسيطرة على التضخم والحفاظ على الاستقرار
النقدي، مشيرًا إلى أن استمرار الفائدة عند مستويات مرتفعة يفرض ضغوطًا على النشاط
الاقتصادي، لكنه في المقابل يحد من الطلب ويساعد على احتواء الضغوط التضخمية.وأشار إلى أن رفع الفائدة يؤدي عادةً إلى زيادة تكلفة الاقتراض أمام الشركات والأفراد، وهو ما ينعكس على الاستثمارات والاستهلاك ومعدلات النمو، فضلًا عن إعادة تسعير الأصول وتحول جزء من السيولة نحو أدوات الدخل الثابت والودائع ذات العائد المرتفع.
وفي المقابل، فإن تثبيت أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة يمنح الأسواق والشركات قدرًا أكبر من الوضوح، لكنه يبقي تكلفة التمويل مرتفعة، ويواصل الضغط على القروض العقارية والتمويل الاستهلاكي، إلى أن تظهر مؤشرات أكثر استدامة على تراجع التضخم.
أسعار
الطاقة تتحول إلى عامل حاسم
وأكد أن النفط والغاز يمثلان عنصرًا أساسيًا في تحديد
تكلفة الإنتاج والنقل والتصنيع، وبالتالي فإن أي اضطرابات في أسواق الطاقة يمكن أن
تنتقل سريعًا إلى أسعار السلع والخدمات.وأوضح أن التوترات التي تؤثر على ممرات التجارة والطاقة الحيوية، أو أي اضطراب في الإمدادات العالمية، قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والإنتاج، بما يخلق موجة من التضخم المدفوع بالتكلفة.
وأضاف أن هذه التطورات قد تدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، حتى مع وجود مخاطر على النمو الاقتصادي، بهدف منع ارتفاعات أسعار الطاقة من التحول إلى ضغوط تضخمية مستقرة داخل الاقتصاد.
التوترات
السياسية تضغط على قرارات البنوك المركزية
ولفت فضلون إلى أن تأثير السياسة
الخارجية على أسعار الفائدة لا يأتي بالضرورة من التصريحات السياسية نفسها، وإنما
من النتائج الاقتصادية المترتبة عليها.وأوضح أن العقوبات الاقتصادية وحظر التجارة يمكن أن يؤديا إلى اضطراب سلاسل الإمداد ونقص بعض السلع الأساسية، بينما تؤدي الحروب التجارية والرسوم الجمركية إلى زيادة تكاليف الاستيراد والإنتاج، وهو ما قد يطيل أمد الضغوط التضخمية.
كما أن تصاعد المخاطر الأمنية والإقليمية قد يدفع المستثمرين إلى نقل أموالهم نحو الأصول التي تُعد ملاذات آمنة، الأمر الذي يضغط على عملات الأسواق الناشئة ويزيد حاجة بعض البنوك المركزية إلى استخدام الفائدة لدعم عملاتها والحد من خروج رؤوس الأموال.
تحذير
للمستثمرين من الرهان على خفض سريع للفائدة
ويرى الدكتور إبراهيم جلال فضلون أن
المشهد الحالي يتطلب قدرًا أكبر من الحذر عند بناء توقعات بشأن مسار أسعار الفائدة
عالميًا، خاصة في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بالطاقة والتجارة والتوترات
الجيوسياسية.وحذر من بناء استراتيجيات استثمارية على افتراض حدوث خفض سريع وحاد للفائدة، داعيًا المستثمرين ومديري المحافظ إلى التركيز على أدوات التحوط وإدارة المخاطر، والاستعداد لاحتمال استمرار بيئة تكلفة التمويل المرتفعة وتقلبات أسواق الطاقة.
واختتم فضلون بأن الجغرافيا السياسية لم تعد عاملًا خارجيًا بعيدًا عن قرارات السياسة النقدية، بل أصبحت أحد المتغيرات التي تراقبها البنوك المركزية عن كثب عند تقييم مسار التضخم والنمو، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر حساسية أمام أي صدمة جديدة في أسواق الطاقة أو التجارة العالمية.







